احصائيات كورونا حول العالم

1,202,543 العدد الكلي
64,732 الوفيات
246,638 حالات الشفاء
أخبار
أخر الأخبار

ما سبب التدخل التركي في ليبيا ولماذا لا ترغب في استقرار الوضع هناك؟

تظهر تركيا منذ سنوات كقوة إقليمية تتبع سياسة التدخل في شؤون الدول المجاورة لها، وفي مقدمتها سورية والعراق، بغية تحقيق أطماع سياسية واقتصادية، وبذرائع مختلفة جاهزة في البلدين المذكورين، تتقدمها مسألة "محاربة الأكراد العدو التاريخي لتركيا"، وإن كانت كل من سورية والعراق تعدان دولتان مجاورتان لتركيا وتجمع بينهما حدود، فالسؤال حول التدخل التركي في ليبيا يكون ما سببه؟، ولماذا ليبيا التي لا تشترك مع تركيا بأي حدود ولا تعد دولة مجاورة لها، بل تبعد عنها مسافة بحر كامل؟.

ما سبب التدخل التركي في ليبيا ولماذا لا ترغب في استقرار الوضع هناك؟

بدايةً يجب ملاحظة أن مزاعم تركيا حول “مساعدة ليبيا” أو “السعي لاستقرار الوضع” هناك، ما هي إلا حجج سطحية وتبريرات لم تعد تقنع أحداً، فـ “الأحلام الوردية” بالأمن والأمان القادم من تركيا، كانت التجربة السورية خير دليل على كذبها وعدم صحتها، بل إن أي تدخل تركي في المنطقة كانت نتيجته دوماً تأزم الوضع أكثر وليس استقراره أبداً.

ومن مصلحة تركيا ألا تستقر الأوضاع العسكرية والسياسية في تلك البلدان، والسبب الأول لهذا الأمر هو ما يعود على تركيا بمنافع اقتصادية كبيرة جراء عقود بيع الأسلحة للمسلحين أو أحد الأطراف المتنازعة، وهذا المردود هام لتركيا حالياً خصوصاً مع العجز الاقتصادي التي تعيشه منذ سنوات، بالإضافة لما ينتج عن عدم الاستقرار هذا من ازدياد نفوذ تركيا في تلك البلدان عبر الطرف الذي تدعمه.

وحول التدخل التركي في ليبيا وأسبابه والأهداف منه، وكما ذكرنا سابقاً فإن ليبيا ليست مجاورة لتركيا، فإن المشروع التركي التاريخي الأول الذي لم يعد يخفى على أحد، هو إعادة إحياء الدولة العثمانية في الوطن العربي، ومنه فإن أي صراع سواءً كان كبيراً أو صغيراً في البلدان العربية، يكون من مصلحة تركيا التدخل به من أجل بسط نفوذها واستغلال أحد الأطراف ودعمه، وصولاً لاحتلال أجزاء من الدولة تحت مسمى “حماية ودعم للشعب”.

وتدخل تركيا في ليبيا يسمح لها بوضع موطئ قدم في واحدة من أغنى وأهم بلدان افريقيا، فليبيا تعد بوابة اقتصادية مهمة لأفريقيا وعوائد النفط الليبي تعد ضخمة، وسيطرة تركيا عليها يعني المزيد من النفوذ والسلطة وباب لتمدد تركيا اقتصادياً في القارة الإفريقية.

وما يؤكد هذا الأمر، ويجعل تركيا مهتمة بحماية حكومة “الوفاق”، التي بدعمها لها أصبحت تابعة لها، كما أثبتت التجربة السورية عندما تحولت فصائل المعارضة لميليشيات تابعة لتركيا، فهو امتلاك المقاولين الأتراك مشاريع ضخمة في ليبيا تصل قيمتها إلى أكثر من 28 مليار دولار، وهذا الأمر بالطبع يجعل من مصلحة تركيا حماية استثماراتها ودعم “حكومة الوفاق” من أجل ألا تلغى هذه المشاريع.

وكانت وصلت المحادثات التركية الليبية بشأن الجوانب الاقتصادية إلى ذروتها، قبل أن تعطلها معركة طرابلس التي أعلنها الجيش الليبي، لاستعادة العاصمة من قبضة “حكومة الوفاق”، وقبل شهر من إعلان الجيش انطلاق المعركة، اتفقت مجموعة عمل تركية ليبية لمقاولين، على استكمال المشاريع غير المنتهية للشركات التركية في ليبيا.

وعن تعقيدات النفط والغاز في البحر الأبيض المتوسط، والخلافات الموجودة بين تركيا وقبرص حول استخراج تلك المواد، فلهذا الأمر علاقة أيضاً بمصلحة تركيا التدخل في ليبيا، حيث أن اتفاقية الحدود البحرية التي وقعتها أنقرة مع طرابلس سمحت لتركيا بوضع يدها على المنطقة الاقتصادية بشرق البحر المتوسط من الأراضي التركية إلى حافة المنطقة التي تطالب بها ليبيا.

وهذه الادعاءات متنازع عليها على نطاق واسع، لكنّ الخطوة التركية ترسل رسالة للدول التي لها علاقة باستخراج الطاقة من البحر الأبيض المتوسط، أولها قبرص واليونان، أنه إن لم يتم ضم أنقرة إلى المعادلة، وصول خطوط أنابيب الغاز إلى أوروبا سيكون معقداً.

ويبقى “حلم الدولة العثمانية” هو الهدف التي تصب فيه نتائج التدخل التركي في ليبيا، علماً أنه بالنهاية من مصلحة تركيا أن تستقر الأوضاع في ليبيا، لكن ليس قبل أن تحقق كافة مصالحها وأطماعها وتضمن أن الدولة الليبية وسياستها ستكون مرسومة من قبلها وتابعة لها، ولحين الوصول لهذا الهدف، فإن تركيا تحقق مكاسب كبيرة من حالة عدم الاستقرار الليبي، سواءً عبر عقود الأسلحة أو استخدام تدخلها العسكري في البلد كورقة ضغط تواجه بها الدول الكبرى التي لها بدورها مصالح في ليبيا، كما يجب الإشارة أيضاً إلى أن الوضع الليبي مرتبط بشكل كبير مع الحرب السورية أيضاً بالنسبة لتركيا.

وتأتي علاقة الحرب السورية بالتدخل التركي في ليبيا لعدة أسباب أيضاً، أحدها يمكن وصفه بأنه “معنوي”، فبعد 9 سنوات من الصراع السوري، ظهرت تركيا أمام المجتمع الدولي كالدولة التي خسرت في أرض المعركة بشكل فاضح، و”البروباغندا” الخاصة بقوة الجيش التركي كسرت وتبين عدم صحتها عبر الخسائر الكبيرة التي تعرض لها الجيش التركي ميدانياً في سورية.

وحتى سياسياً فإن صورة تركيا بأنها تسعى لاستقرار الوضع في سورية والتوصل لحل سياسي، وتبجحها بأنها واحدة من الدول العظمى التي تستطيع فرض أمر واقع والتدخل لتحقيق استقرار دولي، فضحت وأثبت أمام المجتمع الدولي الفشل التركي بالتعامل السياسي مع الحرب السورية، بل أثبت أيضاً أن التبجح التركي بالمقدرة السياسية كان سبباً لتفاقم الوضع في الحرب السورية وإطالة أمدها.

وهذه الأمور تجعل صورة تركيا أمام المجتمع الدولي سوداء، ويخرج عنها معنوياً نتائج سلبية داخل المجتمع التركي الذي يرى دولته تتعرض للخسارة تلو الأخرى، فكانت ليبيا المخرج الذي استخدمته تركيا من أجل تحسين صورتها أمام شعبها والمجتمع الدولي أيضاً، وهذا الأمر يلاحظ من خلال الاهتمام بالصراع الليبي وتوجيه الكاميرات عليه، من أجل إظهار تركيا على أنها “المخلصة” وذات القوة، مع إخفاء واقع الخسارة التي تتعرض لها بسورية.

ومن ذات المنطلق، فإن ليبيا تعتبر منفذ تركيا لسحب نفسها شيئاً فشيئاً من الحرب السورية التي مازالت تتعرض للخسارة فيها، وهذه السياسة ظهرت بشكل واضح عبر قرار تركيا نقل الفصائل المسلحة التابعة لها في سورية للقتال في ليبيا، عبر إغرائهم بالأموال والجنسية التركية، ويمكن وصف هذه السياسة بأنها “محاولة تركية للتخلص من المسلحين السوريين وإخراجهم من الأراضي السورية بما يهيئ أو يسهل عملية التوصل لحل سياسي مع الدولة السورية، مع استغلال هؤلاء المقاتلين في ليبيا بالوقت ذاته”.

وهذا الهدف كان مبهماً بالفعل في الأسابيع الأولى من حشد الفصائل المسلحة السورية ونقلها لليبيا، لكنه كشف بعد مدة قليلة وواجهت تركيا رفضاً حتى من التنظيمات المسلحة التابعة لها للانتقال إلى ليبيا والقتال هناك، الأمر الذي ظهرت منعكساته بعد أشهر عبر فشل عسكري تركي جديد، فأمام انكشاف تلك المخططات، لم يعد أمام تركيا سوى خيار استخدام القوة العسكرية المباشرة ضد الجيش السوري، على مبدأ “الهجوم الأخير”، الأمر الذي حصل بالفعل عبر معارك شديدة استمرت لأشهر، وانتهت بهزيمة تركية جديدة واستعادة الجيش السوري السيطرة على مساحات واسعة من أرياف حلب وإدلب، مع فتح الطريق الدولي دمشق – حلب وتأمينه بالكامل.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق