ملفات

روسيا صانعة الاستثناءات في الحرب السورية

لعبت الجمهورية الروسية خلال سنوات الحرب التسع في سورية، دوراً كبيراً في كبح جماح تدهور الأوضاع بشكل أكبر في البلاد، وكما هو معروف فإن نتائج أي حرب تندلع في أي دولة غالباً ما تكون سيئة وسلبية، وتجعل البلد في انحدار شديد على مختلف النواحي، إلا أن الحرب السورية وسنواتها الطويلة أثبتت بأن لكل قاعدة استثناء، من خلال الدور الروسي البارز الذي صنع استثناءات عسكرية كبيرة غيرت مسارات الحرب.

روسيا صانعة الاستثناءات في الحرب السورية

ولا يمكن إنكار أن مفرزات الحرب ونتائجها أثقلت كاهل الدولة السورية والشعب السوري بشكل أساسي، إلا أنه ورغم ذلك، ومع رؤية وضع الدولة السورية بشكل عام بعد /9/ سنوات من هذه الحرب، تثار عدة استفسارات وإشارات تعجب من استمرار التماسك في بنيان هذه الدولة، وعدم حصول انهيار شامل في مفاصلها الرئيسية وخاصة منها العسكرية، أو في اقتصادها على أقل تقدير.

وعند الحديث عن حرب التسع سنوات، فإن النتيجة الطبيعية لها أن تكون انهياراً وضعفاً حتمياً بالدولة، لكن الاستثناء الذي حصل وأدهش الدول المتصارعة بشكل مباشر وغير مباشر في الحرب السورية، هو عدم حدوث هكذا انهيار رغم كافة الممارسات التي حصلت وسعت للضغط على الدولة السورية بمختلف الجوانب الاقتصادية والسياسية والعسكرية وحتى الاجتماعية، بل على العكس، ما حصل أنه وبعد خسارة الدولة أجزاءً كبيرة من الأرض السورية، بلغت أكثر من 60%، كانت السنوات الماضية من الحرب ذات تحول كبير، تمثل باستعادة الدولة السورية على معظم أراضيها، متضمنةً المدن الرئيسية، وفي مقدمتها حلب العاصمة الاقتصادية، بل ووصل هذا التحول أيضاً إلى حد محاصرة المسلحين في منطقة إدلب فقط، بعد أن كانوا منتشرين في مختلف الأراضي والمدن السورية.

وهذا الصمود في بنيان الدولة السورية بمؤسساتها الخدمية والعسكرية والسياسية، كان لروسيا ودعمها الذي قدمته لسورية الدور الأول فيه، فالعلاقات الروسية السورية ليست وليدة سنوات سابقة، بل هي علاقات قديمة جداً مضى عليها أكثر من /70/ عاماً، فسورية تعد الحليفة الأولى لروسيا في منطقة الشرق الأوسط، وكلا البلدان كانا السد المنيع طيلة تلك السنوات أمام الأطماع الأمريكية في المنطقة، وكان تحالفهما يقف دائماً في وجه المحاولات المستمرة لأمريكا لوضع موطئ قدم لها في سورية وبلاد الشام.

وقبل نشوب الحرب السورية، لم تتمكن أمريكا من التدخل في الشؤون السورية لا دبلوماسياً ولا عبر إنشاء قواعد لها، كما في دول الخليج، فلطالما كانت أمريكا تعد دولة عدو لسورية، بسبب أطماعها واستخدامها نفوذها للضغط على الدول العربية لمصالحها، بعد أن حولت معظم تلك الدول لتابعة لها، كما أن القضية الفلسطينية ودعم أمريكا للاحتلال “الإسرائيلي” يعد من أول الأسباب للعداء السوري الأمريكي.

ومنه فإن أمريكا ومع بدء أحداث الحرب السورية، استغلت مباشرةً أحد الأطراف المتصارعة، “القوات الكردية”، لتقدم لهم دعماً كبيراً مقابل السماح لها بالدخول إلى الأراضي السورية عبر المناطق التي يسيطرون عليها، وتعد “قسد” السبب الرئيسي والمسهل الأول لدخول أمريكا إلى سورية للمرة الأولى منذ عقود من الزمن.

وهنا ظهرت جدية التحالف الروسي السوري التاريخي، وكان الموقف الروسي واضحاً وكاشفاً منذ البداية لزيف الادعاءات حول رغبة أمريكا إحلال الاستقرار بسورية، إلا أن روسيا فضحت المؤامرة التي تحاك ضد سورية منذ بداية سنوات الحرب، والتي كان هدفها احتلال الدولة من قبل أمريكا، كما حصل في العراق، ووضع بنية سياسية سورية تتبع لأمرها.

وكان الدعم الروسي للحليف السوري كبيراً، سواءً عبر أشكاله العسكرية والسياسية والاقتصادية، كما كانت روسيا الوسيط الأول بين الأطراف المتنازعة، والضامن للعديد من الاتفاقات بدءاً من تسليم المجموعات المسلحة أنفسهم وصولاً لضمان وتنسيق الاتفاقات التي لها علاقة بالمنشآت الخدمي التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر ويومي.

ونذكر من الأدوار الهامة التي لعبتها روسيا خلال الحرب السورية في مجال الاتفاقات والوساطات، ما حصل عند استعادة الدولة السورية لمدينتي حلب وحمص، فتلك المدينتان ضمتا أعداد كبيرة من المسلحين الذين خرجوا ضد الدولة السورية، إلا أنهم من الفصائل المعتدلة غير المنتمية للتنظيمات الإرهابية، وكانت حلب مقسمة إلى جزأين، شرقي يقع تحت سيطرة المسلحين، وغربي بقي تحت سيطرة الدولة السورية.
وعند استعادة الجيش السوري لكلا المدينتين، كان لروسيا الدور الأول والأهم لضمان تسليم هؤلاء المقاتلين من التنظيمات المسلحة أسلحتهم وأنفسهم إلى الدولة السورية من أجل تسوية أوضاعهم واستعادتهم حياتهم الطبيعية، والضمان والوساطة الروسية هي من قربت كلا الطرفين وأعادت الاستقرار للمدينتين الهامتين، فحلب تعد عاصمة الاقتصاد السوري وحمص تعد القلب الجغرافي لأراضي الجمهورية العربية السورية ومركز وصل بين المحافظات السورية.

وتكرر هذا الأمر أيضاً في منطقة الغوطة الشرقية لدمشق، فبعد تقدم الجيش السوري في أجزاء واسعة من الغوطة التي تعد مساحاتها ضخمة، كان الدور الروسي حاضراً لتنسيق وضمان عودة كامل مناطق الغوطة للدولة السورية مع تسليم المسلحين أسلحتهم أيضاً، لتشهد بعدها دمشق وريفها استقراراً كاملاً للأوضاع العسكرية وعودة الحياة لمناطق الريف.

وبالطبع كانت القوة العسكرية الروسية حاضرة بشكل واضح طيلة سنوات الحرب، خصوصاً عند مشاركتها إلى جانب الجيش السوري في مواجهة ليس مجرد تنظيمات إرهابية أو مجموعات مسلحة، بل دول عظمى تقف وراء تلك التنظيمات عبر دعمها بالسلاح والقوات حتى، فروسيا وسوريا في الحرب السورية لا تواجهان مجموعات مسلحة فحسب، بل جيوش بلدان أوروبية وعربية تابعة لأمريكا تحت مسمى “التحالف الدولي”، مع مواجهاتها المباشرة ضد الجيش التركي أيضاً، أي أن الصراع السوري لا يمكن وصفه بشكل سطحي على أنه “صراع داخلي”، بل هو دون أي شك صراع دول عظمى وحرب إقليمية نتائجها سيكون لها منعكسات على المجتمع الدولي ككل.

وصراع الدول العظمى، التي تقف كل من روسيا وسورية فيها بوجه الأطماع الأمريكية والتركية بالدرجة الأولى، ظهر بشكل واضح عبر المواجهات المباشرة التي حصلت في معارك أرياف حلب وإدلب بين الجيش التركي من جهة والجيشين الروسي والسوري من جهة أخرى، خصوصاً أن الفشل الذي عانى منه المسلحون من التنظيمات الإرهابية خلال السنة الماضية، جعل تركيا تكشف نواياها الحقيقية وتتدخل بشكل مباشر عبر تقدمها للسيطرة على أجزاء من الأراضي السورية، الأمر الذي واجهه الجيش الروسي بدوره وتصدى له إلى جانب الجيش السوري، لتسجل الأشهر الماضية أعنف وأوضح المواجهات المباشرة التي تعرض خلالها الجيش التركي لخسائر كبيرة، وانتهت تلك المواجهات بتأمين الجيش السوري مدينة حلب وتحرير أجزاء من ريفها الشمالي والغربي، وإعادة افتتاح طريق حلب – دمشق الدولي، مع تحرير المناطق التي يمتد فيها بريف إدلب.

وكما تكون روسيا جاهزة فيه دوماً إن أجبرتها الظروف على مواجهة أي اعتداء مباشر يحصل على الأراضي السورية وتقديم الدعم لحليفتها، فإن الحلول السلمية التي تهدف لاستقرار الوضع بسورية وحماية المواطنين وتجنب القتال تكون الخيار الأول دوماً، حتى وإن كانت التجارب السابقة أثبتت أنه بمعظم الأحيان لا تتقيد، بل لا ترغب المجموعات المسلحة الإرهابية والدول الداعمة لها بالحلول السلمية التي تقوم على وحدة وسيادة الدولة السورية.

ومنعت روسيا عبر جهودها العسكرية والدبلوماسية عدة مرات عمليات عسكرية حاولت تركيا القيام بها ضد الأراضي السورية، وكما ذكرنا سابقاً فإن الأشهر الماضية شهدت مواجهات وزحف مباشر للجيش التركي داخل الأراضي السورية، الأمر الذي تم مواجهته من قبل روسيا بالتصدي لهذا الزحف الذي كان قائماً على تهويل تركي بقوة جيشها، إلا أن هذه القوة المزيفة كسرت أمام الجيشين الروسي والسوري.

وعلى الرغم من ذلك، كانت روسيا حاضرة بجهودها الدبلوماسية من أجل “الحفاظ على ماء الوجه التركي” أمام المجتمع الدولي، لتوافق بعد طلب من الرئيس رجب طيب أردوغان على أن تكون الوسيط والمنفذ لاتفاق وقف الأعمال القتالية في إدلب، وتسيير دوريات روسية تركية مشتركة على طول طريق حلب – اللاذقية تمهيداً لإعادة افتتاحه.

ونهايةً بالفيتو الروسي، فلا يمكن التحدث عن أثره وأهميته سوى باستذكار الاحتفالات التي كانت تخرج من الشعب السوري في كل مرة يرفع بها مندوب روسيا يده في الأمم المتحدة مانعاً مشروع قرار جائر بحق سورية يسعى لخراب البلد وشرعنة احتلاله من قبل الدول المسيطرة على المجلس.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أصابات

رسالة

إغلاق
إغلاق